تجربة سريعة

في العقود الماضية، المرأة لم يكن لديها أي خيار، إما أن تتزوج أو أن تصبح العانس التي يتهامس حولها نساء الحي.
أما الرجل، فكان يتزوج كي ينظر إليه كشخص حكيم يمكنه إعطاء نصائح عن الحياة، حتى لو لم يكن لديه أي فكرة عن كيفية دفع فواتير الشهر المقبل.
لكننا في 2025، والأمور تغيرت:
النساء لم يعدن ينتظرن الأمير الساحر لإنقاذهن من مصير مجهول، والرجال اكتشفوا أن الزواج ليس هو الطريق الوحيد لإثبات رجولتهم.
ومع ذلك، لا يزال المجتمع يرفض الاعتراف بهذه الحقيقة، وكأن عدم الزواج يعادل الفشل في الحياة.
لم أتزوج، ليس لأنني لم أجد الفرصة المناسبة، إذ وصلتني عروض من ابنة عمتي في فرنسا، وكذا من إحدى جارات الحي، بل لأنني ببساطة لست مستعدا لتحمل المسؤولية.
بالكاد أستطيع إدارة شؤون نفسي, فكيف يمكنني أن أتحمل مصاريف بيت آخر، وشخص آخر، وربما كائنات صغيرة تُسمى "أطفال" تطلب الطعام خمس مرات في اليوم كأنها تعمل في إحدى مناجم الفحم؟
المجتمع لا يرى هذه التفاصيل، لا يهتم إن كنت مستعدا نفسيا وماليا، فقط يرى أنك رجل تجاوزتَ الأربعين ولم تتزوج بعد، هناك خلل ما، وربما تحتاج إلى جلسة نفسية واجتماعية لإعادة ضبط مسارك في الحياة.
إحدى أكبر الأكاذيب التي يروج لها الناس هي أن المرأة غير المتزوجة تعيسة.
كأن السعادة لا تتحقق إلا إذا كان هناك رجل يجلس بجوارها، يشاهد نشرة الأخبار بينما يغير قنوات التلفاز دون استئذان.
أعتقد أن السبب الحقيقي وراء الضغط على النساء للزواج ليس لأن الزواج ضرورة ملحة، بل لأن المجتمع لا يعرف كيف يتعامل مع المرأة المستقلة.
المرأة التي لا تحتاج إلى رجل، كائن يهدد الأعراف والقيم والتقاليد،
لهذا يحاولون جاهدين إقناعها بأن حياتها ينقصها الشريك المُنقذ.
أهلي وعائلتي لا يفوّتون أي فرصة للسؤال: "متى ستتزوج؟"
لا يكاد يمر لقاء عائلي، أو زيارة عابرة إلا ويُطرح هذا السؤال بنفس الحماس، وكأنه سيطرح لأول مرة.
"واش مزال ما لقيتي هاد بنت الناس؟"
"راك كبرت، حتى لاش غادي تبقى عايش بوحدك؟"
"آجي نضبرو ليك على شي وحدة تكون زوينة وحادكة"
وفي كل مرة، أتهرب وأغير الموضوع، وأتساءل في نفسي: لماذا لا يستطيع الناس تقبّل أن العزوبية خيار، وليست معضلة تحتاج إلى حل؟
"متى ستتزوج؟" أصبح سؤالا يشبه "متى ستموت؟" في مستوى الإحراج.
الزواج يتطلب استعدادا ومسؤولية لا أملكها حاليا، وربما لن أملكها أبدا.
فالحياة ليست سباقا لمن يصل إلى مكتب العدول أولا.


برنامج «ثمانية أسئلة». نقابل فيه أصحاب المهن المختلفة والتجارب الاستثنائية، ونوجه لهم 8 أسئلة قد تخطر في بالك.